الرئيسيه سجل الزوار المقالات الشعر  
 


 

 


 

» عدد الزوار [ 11209 ]
» عدد الأخبار [ 3 ]
» عدد المقالات [ 2 ]
» عدد القصائد [ 42 ]

 
يراعة الشعر » المقالات » عندما يتخلى الأدبُ عن ملابسه »
 

عندما يتخلى الأدبُ عن ملابسه
الزيارات :71
1 تقييم

 

قسَّمَ النقاد القدماء وتبعهم المحدثون الأدب إلى قسمين : أدب رفيع وأدب رخيص ، وكلا النوعين يمتلك الأدوات الكاملة للأدب كاللغة والعاطفة والفكرة والخيال . غير أن هناك تبايناً بينهما في نوع الفكرة والموضوع أما بقية الأركان الأدبية فموجودة ، فالأدب الرفيع يمتاز بسمو الفكرة بدعوته إلى قيم ومثل تحافظ على جمال الحياة ، وتُبقي هناك فرقاً بين الإنسان الرائع المبدع الموكول له عمارة الأرض وبين بقية المخلوقات التي لم يعهد لها الخالق سبحانه سوى أن سخرها للإنسان ، غير أنها غير مكلفة بالحفاظ على القيم الخُـلُقية ـ بضم الخاء واللام ـ فتأكل وتشرب وتنكح بدون قيود ، ولا تخضع لميزان الثواب والعقاب في الآخرة من حيث التكاليف ، اللهم عدا اقتصاصها من بعض .

 

والأدب وظيفته الأولى الترفيه والتسلية عن النفوس بفنونه المتعددة مهما بدت له من وظائف أخرى ، ولكنَّ الأدباء يستخدمون فنونه في الحفاظ على تلك القيم وزرعها في الناس ، فيكون الأدب بذلك رافعا لمعدل هذه القيم والمبادئ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، وإذا كان الأدب هكذا فهو النوع الأول والذي نسميه الأدب الرفيع .

 

أما النوع الثاني فهو الأدب الرخيص وهو يخدش الحياء ويقلله لدى القائل أولاً ولدى المتلقي المكثر منه ثانياً، فهو يقلل من قيمة الأخلاق والمُثُل التي تتبناها البشرية وتتمناها وتسعى كل الملل والنحل لترسيخها في النفوس وتدَّعي كلُّ أمَّةٍ أنها صاحبة هذه القيم وراعيتها .

 

وفي كل عصر منذ القديم ولدى كل أمةٍ من الأمم يظهر دعاة للانسلاخ من هذه القيم التي نشأ عليها الناس ، هؤلاء الدعاة لا تعجبهم هذه القيم ويتخيلونها قيوداً تكبح شهواتهم التي أطلقوا عنانها ، وخصوصا القيم التي  تدعو إليها الديانات السماوية والتي أعطت الحرية للإنسان دون المساس بحرية الآخر وكانت تحفظ التوازن لنجاح الحياة الدنيا وسيرها وفق ما يناسب طبيعة الحياة نفسها  ، وكل دعوة جديدة  للخروج عن نهج الحرية المتوسط أو عن الطبيعة الفطرية للإنسان يكون في الغالب دعاتها ممن امتلكوا الموهبة الأدبية بأدواتها لكنهم اتصفوا بأنهم شطحوا عن المألوف الثابت وليس المألوف المتغير ، فكانوا يسمون عند كل الأمم ( زنادقة ) حتى عند غير المسلمين لأنهم خرجوا عن المألوف الثابت ، وأصبح هذا المصطلح ( الزنادقة ) يدخل تحته كل خارج عن الملة أو القيم لديهم ، وأصبحت هذه الكلمة سبة وربما رمي بها البريء ولكن هذا ليس محل هذا المقال .

 

ولعل أول حال زندقة ظهرت هي زندقة ( مزدك ) الفارسي في القرن الخامس الميلادي ــ وهو أول داعية للشيوعية كما يقال ـ هذا الرجل ( مزدك ) دعا إلى الإباحية والشيوع والاشتراك في كل شيء ــ حتى في نكاح النساء ولو كن محارم ــ وقد اعتنق مذهبه الملك الفارسي ( قباذ ) والد الكسرى ( أنو شروان ) ويبدو أن شهوانية الملك الطاغية جعلته يعجب بمزدك ومذهبه غير أن ابنه ( أنو شروان ) كان يبغض مزدك مما جعل مزدك يبدي رغبة للملك قباذ بمشاركته في زوجته أم ( أنو شروان ) ولم يكن الملك ليمانع لولا غيرة ابنه وفطرته السوية التي جعلته لا يريد لهذا العَفِن أن يقرب أمَّه ولم يتنازل مزدك عن رغبته إلا بعد أن قبل الابن قدمه في قصة مشهورة تحكي بقاء رائحة شرابه المنتن في أنف أنو شروان ، وما لبث الملك ( قباذ ) أن مات فتسلم الحكم أنوشروان فقتل كل الزنادقة وأولهم ( مزدك ) .

 

غير أن فكر الزنادقة لم يمت بموت مزدك فانتقل إلى الأدب العربي والإسلامي عن طريق الترجمة ودخول كثير من الفرس في الإسلام وبقاء عرق مزدك في الكتب فما لبث أن ظهر في أيام البدع مع بداية الترجمة في عصر المأمون ، بل ربما ظهرت أنواع المبتدعة في هذا العصر الزاخر بالعلم والترف المعرفي أكثر من ظهورها سابقاً أو لاحقا ، وقد حوكم كثير من الزنادقة في عصر الخليفة المتوكل رغم بعض المحاكمات التي تمت قبله كما في عهد المنصور والرشيد ، ولعل قصة الشاعر صالح بن عبد القدوس مع الخليفة المتوكل مشهورة حيث كاد الخليفة أن يعفو عنه لولا أنه سأله حين أوشك أن ينصرف وهو شيخ كهل ، ألست القائل :

 

والشيخُ لا يتركُ عاداتِهِ      حتى يوارى في ثرى رَمسهِ

 

فقال بلى ، فقال الخليفة : النطع والسيف .

 

والغريب أن العصر الجاهلي قبل الإسلام لم يكن شعراؤه وأدباؤه سوى دعاة للفخر بالقيم والمبادىء وليس غريبا فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال :" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ورغم جاهليتهم وعدم إيمان معظمهم بالبعث إلا أنهم مع ذلك لم ينغمسوا في الشهوات ولم يدعوا غيرهم بالتلذذ بكل ما هو خارج عن قيمهم الأخلاقية أو بالأصح لم يجاهر المنحرف منهم  بانحرافه بل معظم أدبهم يدعو للفضيلة وانظر لقول الخنساء في أخيها :

 

لم تره جارةٌ يمشى بساحتها        لريبةٍ حين يُخلي بيتَـه الجارُ

 

أي مثال للعفة والشرف الذي ينطق به هذا البيت ؟!

 

حتى في فن الغزل لم يكن الشعراء بذي بذاءة يقول عنترة :

 

ولقد ذكرتك والرمــاح نواهلٌ      مني وبيض الهند تقطرُ من دمي

فوددتُ تقبيل الســيوفِ لأنها       لمعت كـبـــارقِ ثغركِ المتبـســمِ

 

وكذلك الهجاء ، يقول الحطيئة ( المخضرم ) في أهجى بيت أجمع عليه حينها :

 

دع المكارمَ لا ترحل لبغيتها        واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

 

وجاء الشعراء المتصلون بهم من العصر الإسلامي وبعضهم متخصص في الغزل ومع ذلك لم نجد لديهم الانحلال  يقول كثير عزة متمنيا الخلوة بعزة ــ وقد تزوجها بعد ذلك ــ يقول:

 

ألا ليتنا يا عزُّ من غـــير ريبـةٍ         بعيرانِ نرعى في الخلاءِ ونعزِبُ

كلانا بهِ عُـرٌّ فمن يرنـــــــا يقل        على حسنها جرباءُ تعدي وأجربُ

نكونُ بعيرَيْ ذي غنىً فيضيعُنا         فلا هو يلقــــــــانا ولا نحنُ نُطلبُ

 

 وقد سخر بعضهم من المهانة التي تمناها كثير لعزة هنا ، غير أنه كان يتمنى أن تجمعهم الحياة منفردين وقد كان له ما أراد وبالحلال أيضا ، وبالمناسبة فهو الحظيظ بين العشاق الشعراء الذي تزوج بمن يحب على ما أظن .

 

ويقول أبو تمام في وصف الحال مع الحِسان :

 

لبيتَ صوتـــــا زبطرياً هرقت لهُ          كأسَ الكرى ورُضابَ الخُرَّدِ العُرُبِ

ألهاكَ حَرُّ الثغورِ المستضامةِ عن         بَردِ الثغـــورِ وعن سلسالها الحَصِبِ

 

وإذا عدتُ للأدب الرخيص فإني أتذكر شيئاً غريباً مررت به أثناء الدراسة فقد كان من الشعراء الكبار في العصر العباسي الشاعر ابن الرومي صاحب القصيدة الجميلة في الرثاء في ولده الأسط والتي يقول فيها مخاطبا عينيهِ :

 

بكاؤكما يَشفي وإن كان لا يُجدي             فجـودا فقـد أودى نظــيرُكما عندي

بُنيَّ الــذي أهـدته كـفـايَ للـثرى              فيا عِزةَ المُهدَى ويا حسرةَ المُهدِي

ألا قاتلَ الله المنــايــــــا ورميَهــا              من القومِ حباتِ القلوبِ على عَـمْدِ

توخى حمامُ الموتِ أوسطَ صبيتي            فللهِ كـيف اختــارَ واســـطةَ العِـقـدِ

 

وكان اسم ابن الرومي يتردد كثيرا بين كتب تاريخ الأدب ولكني كنت أستغرب تقليلهم من الاستشهاد بشعره بعكس غيره من الشعراء والذين هم أقل منه شأناً وشهرةً في كلام المؤرخين فكنت أستغرب من ذلك فقررتُ أن أشتريَ ديوانه إعجابا برثائيته المشهورة وبناءً على شهرته ، ولكن لأنَّ ديوانه غالي الثمن لكبره حيثُ يتكون من ستة مجلدات فلم أشتره إلا بعد التوظف وليتني لم أشتره ، فقد أحبطتُ وأصبت بصدمة في ذلك الشاعر فقد وجدت معظم ديوانه من النوع الرخيص وعرفت سبب قلة النماذج الشعرية له في كتب مؤرخي الأدب ، فهو إذا غضب يخلع ملابسه كلها ويخلع ملابس خصمه حتى ربما أقذع في أبرياء بهتك أعراضهم بسبب غضبه وكأنه يعيش بين قوم لوط ــ عليه السلام ـ فرحمه الله وغفر له وأحسن الله عزائي فيه .

 

أما في العصر الحديث فإن طلب الشهرة وحبها مع قفل أبواب الإعلام والتميز في وجوه الأدباء الصاعدين وصعوبة حصولهم على الدعم والظهور لسيطرة فئة معينة على الإعلام الأدبي ، وبسبب النمطية المرسومة للأدب فإن ذلك كلَّه دعا البعض إلى تقليد الأدباء المنحرفين في الغرب والشرق والذين اشتهروا بسبب انحرافهم ، فكان من يتحلل من القيم والمبادئ لدينا من الأدباء أسرع وصولا إلى الشهرة من غيرهم ، مما أغرى الشباب من الأدباء والذين هم أكثر انجذابا للبريق الإعلامي ، فنرى المشهورين لدينا هم المنحلون في أدبهم من القيم والأخلاق التي دعا الدين الإسلامي للتمسك بها ، وليس الغريب ذلك بل الغريب أن نجد كثيرا ممن كانوا متمسكين بها يستهويهم الإعلام ويشعرون أن قطار الشهرة سيفوتهم فنجدهم ينحلون كتابياً وأدبياً ــ ولا أقول تطبيقياً حتى لا أتهم أحداً ولأني لا أعلم حالهم إلا من أدبهم  ــ حتى يلحقوا بركب الشهرة وبئس الشهرة .

 

لقد أصبح النموذج الغربي نهجا يتبعه معظم الأدباء المنتسبون لنا فنجد أدباءنا ينقلون لنا ما يدور في البارات ويصورون لنا ما يدور في شوارع باريس ولندن وصوروا بسطات البائعين وبؤس الجائعين والمتسولين بالعزف على أدوات موسيقية مهترئة  في أزقة أمستردام وبرلين فتخيلوا بؤساء فيكتور هيجو ونقلوا مأساة أحدب توتنهام وتركوا كل قضايانا الاجتماعية ومآسي أراملنا وأيتامنا وتخلوا عن الشعوب الإسلامية القريبة منا المطحونة من قبل الأعداء ، ووضعوا قضايانا وحياتنا اليومية على رفوف مستودعاتهم الجانبية ، وفرغوا عقولهم لحياة غيرهم ، ونجد النقاد في الصحافة يتبارون في التواصي بهؤلاء وإذا عُدِموا ترجموا لنا روايات جميلة أدبيا ولكن مضامينها لا يصور حياتنا ولا حياة أدبائنا .

 

     لقد أخذَتْ رواية ( شفرة دافنشي ) لـ( دان براون ) حيزا من الاهتمام لدى الكثير في العالم ورغم جمال أحداثها وانسيابها وتشويقها إلا أن الكثير أغفل النقطة التي تدور عليها الرواية وهي لقطة مصورة لحركة جنسية تمثل الاتحاد بين الذكر والأنثى وقد أسس لها من أول الرواية ولم يكشف عنها إلا في آخر الرواية ، ورغم أن هناك من انشغل بحكاية ( الكأس المقدسة ) إلا أن القارئ لم يرسخ في ذهنه إلا الصورة الجنسية التي زُرِعت قسرا في عقول القراء ، ومع أن هذه الرواية ـ رغم أن مؤلفها غير مسلم ـ ليست بوقاحه رواية ( فسوق ) لعبده خال وليست أفسق على ما أظن ولم تتخصص في العلاقة المحرمة في ديننا وثقافتنا كرواية ( بنات الرياض ) والتي وإن تفوقت عليها رواية خال من حيث اللغة إلا أن تصنيف هذه الثانية حتى من الأدب الرخيص يعد تجنياً عليه ، والسبب لأنها لا تمت للأدب والرواية بصلة ولم يكن فيها شيء من أركان الأدب السابقة الذكر فلا لغة ولا فكرة محددة ولا أسلوب ولا خيال سوى العبث ، فالأحداث سرد سمج لبعض تصرفات تافهة كتبت على أنها قصص تم فيها الخلط بين الأحداث بدون دراية ، غير أن أثرها سيء بين الصغيرات اللواتي سارعن لقراءتها مما سيجعل الكثير ممن في سن المراهقة إلى أن تتقمص شخصية من تلك الشخصيات السطحية للأسف ، كيف لا والخزعبلات سميت رواية والأثر المتروك للقارئ سيء .

 

وحينما يقوم العقلاء بمطالبة المؤسسات المخولة بالرقابة على مطبوعات الأدب الرخيص أو وسائله الأخرى أو محاربته واستصدار قوانين تحد من خطورته فإن بعض السُلطات ـ للأسف ـ قد تتخذ ذلك حجة لحجب نوع من الأدب الرفيع  كالأدب الداعي لإصلاح المؤسسات الاجتماعية أو السياسية ، فيتحير كثير من العقلاء من الدعوة لحجب ذلك النوع من الأدب ويرون أن محاربة الفكر لا تتم إلا بالفكر لكي لا تقفل كل المنافذ التي يتنفس منها الأدباء ، وللأسف لم تسلم المجتمعات الإسلامية من الأدب الوضيع وإذا سلمت من صورته لم تسلم من رائحته والعكس .

 

إن الفرق بين الأدب الرفيع والأدب الرخيص كالفرق بين الذهب ونشارة الخشب ، فلينظر الأديب أيهما يحب تملكه ولينظر القارئ أي البضاعتين خير .

 



قيم : 1 | 2 | 3 | 4 | 5
[الإرسال لصديق] [إضافة تعليق]

 

 

لايوجد تعليقات حتى الآن

 
[ ASH3AR - AL-MSHAER Version 1.0 BETA [ MSHAER